السعيد شنوقة
358
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
يقصد من أعماله نفع عباده وصلاحهم . وعند بعضهم أن رعاية الله سبحانه لمصالح عباده واجبة عليه . بل لم يقفوا عند هذا الحد وإنما قالوا : بأنّ الواجب عليه رعاية الأصلح « 1 » تعالى الله عز وجل عن ذلك . ولقد وافق بعض المعتزلة على جوهر هذه الفكرة بيد أنهم أنكروا على المصرّحين بها صيغة الوجوب وفضّلوا عوضها قولهم بأن هذا هو النظام أو القانون الذي يقصد إليه الله في أعماله « 2 » ، وقد عورض هذا بدوره ، وأسست المعارضة فيه على أن أعمال الله عز وجل ليست معللة بغرض وليس الباعث عليها غاية ، لأن العالم يتضمن شرورا كثيرة ومفارقات مختلفة لا نقدر على تفسير ما فيها من المصلحة « 3 » . وفكرة الوجوب على الله عند الزمخشري تبدو واضحة في تفسير قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] فقد قال : « ومعنى قوله : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه كقوله : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [ الليل : 12 ] ( فإن قلت : لم غيّر أسلوب الكلام في قوله : - وَمِنْها جائِرٌ ؟ قلت : ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل : وعلى الله قصد السبيل - وعليه جائرها أو وعليه الجائر »
--> - امتناع اللطف ، ولا يقع في علوم الله عندهم اللطف في حق كل أحد بل منهم علم تعالى أنه يؤمن إذا لطف به ومنهم من علم أنه لا تزيده إلا تماديا في الطغيان وإصرارا على العدوان . انظر اليافعي ( عبد الله ابن أسعد بن علي ) كتاب مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة المعتزلة ، ص ، 165 وانظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر ، ص 132 وما بعدها . ( 1 ) اختلف المعتزلة في أقوال اللطف ، ولكن معظم أقوالهم تقرّر أن الله تعالى فعل الأصلح لعباده فيما كلفهم به ولم يدخر شيئا عنهم مما قد يحتاجون إليه في فعل ما كلفوا به ، ونصوا أن هذا واجب عليه تعالى ، أما ما عدا ذلك فليس سوى نوع من التفضل ليس واجبا عليه . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص ، 313 والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 20 - 21 . ( 2 ) انظر د . أحمد محمد الحوفي ، الزمخشري ، ص 140 . ( 3 ) انظر م ن ، ص 140 لقد كان النظام أكثر المعتزلة تأكيدا لنظرية الصلاح والأصلح موجبا على الله تعالى بأن يفعل ما يعلم أن فيه صلاحا لعباده ، وبذلك كان أقرب من معتزلة بغداد الموجبين على الله فعل الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم إلا أن البصريين خالفوهم ، أنكروا ما ذهبوا إليه في الوجوب لأنهم رأوا بأن الله لم يدخر عن عباده شيئا مما يعلم أنه لو فعله بهم لانتفعوا وحققوا مصلحتهم . انظر د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 334 .